هشام جعيط

298

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

من قريش والأنصار وثقيف . ومنهم كانت الجماعة السياسية الحاكمة والعسكرية والدينية ، وهي في القمة تمسك بزمام السلطة العليا والسلطة الحكومية في الكوفة . وكانت جماعة قليلة العدد ، لكن انضمت إليها قبائل وعشائر بدوية الأصل ، بفضل أحلاف قديمة أو حديثة أبرمها الرسول معهم . لنذكر كنانة وخزاعة ومزينة وجهينة « 1 » . وكان لوجود شخصيات معتبرة أمسكوا بزمام سلطة القرار ( سعد والمغيرة وزياد والحجاج ) ، أن بدا تأثيرها واضحا على الصعيد التمصيري . إذ نحت أفرادها وجه الكوفة ، بصفتهم رجالا مسؤولين عن جماعة يعملون فيها طبق اختبارات مدبرة وبعد التروي فيها ، وهم في هذا منفتحون على جملة من الآفاق الثقافية ، أكثر مما كانوا ممثلين لنوعية معينة . لكن هذه النوعية كانت موجودة كتقليد حضري عربي أصيل يختلف عن تقليد الحيرة وتقليد اليمن . لقد رأينا أنّ مكة تميزت بحيّزها المقدس أي الحرم ، بمسجدها وأماكنها التي يجتمع فيها الأشراف والمعروفة بالنوادي وبتكاثر منشآتها المعدة للاستقبال ودورها الجماعية ( دار السقاية مثلا ) « 2 » . وكانت الطائف تعرف بسورها المتقن الذي وقف عرضة في سبيل تقدم الرسول نفسه « 3 » واختط الرسول أول مسجد للإسلام في يثرب ، فكان نموذجا قيست عليه كل المساجد الأحرى ، وأدخل ضمنيا مبدأ التخطيط والاقطاع بالنسبة للأراضي والأملاك الفردية « 4 » . كانت المدينة بلا شك مرحلة أساسية فتحت للسلطة القدرة على القيام بالمبادرة التنظيمية « 5 » . ولا شك أن الحاكمين استفادوا من مخزون الخبرات هذا . - يمثل اليمنية ثالث هذه العوالم وقد كانوا حاضرين حضورا مكثفا في الكوفة ، وكانوا الورثة المتأخرين لحضارات متكاملة عرفت نظام الدولة والكتابة والري والمدينة . وقد عاش اليمن انهيار الأسر المالكة الأخيرة التي حكمته وعاش تفكك قواعد حضارته ، خلال المرحلة المتأخرة من وجوده التاريخي . فتمخضت عن هذا الأمر هجرات متوالية واحتلالات خضع لها ، فخضع لاحتلال الفرس والأحباش ، ويحدونا الشعور أن اليمن كان مجالا لدفع بدوي قوي ، وأن القبائل المعتبرة قبل الإسلام كانت متأثرة بالبداوة شديد التأثر منها همدان

--> ( 1 ) كتاب الاشتقاق ، ص 285 . ولا سيما اليعقوبي ، كتاب البلدان ، ص 312 . ( 2 ) C . E . Bosworth , « The terminology of history of the Arabs in the Jahiliyya according to Khwa razmi's « Keys of theSciences » Goitein Festschrift , pp . 27 - 43 , ( القدس ، 1981 ) . انظر : دار سقاية الكوفة ، الطبري ، ج 6 ، ص 273 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 67 - 70 . ( 4 ) السيرة ، ص 333 وما بعدها ؛ فتوح البلدان ، ص 26 - 28 ؛ لسان العرب ، مادة قطيعة . ( 5 ) بنى بها الرسول المسجد باللبن والحجر وسعف النخيل وجذوعه وأنشأ في يثرب السوق وخص الخيل بمجال عرف بالحمى : فتوح البلدان ، ص 20 ، 22 ، 28 .